أبو الليث السمرقندي
415
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
عن السجود ، فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ ؛ يعني : إبليس عدو لك ولزوجك حواء ، فاحذرا منه ، فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى يعني : فتتعب وتتعنّى بعمل كفيك ولا تأكل إلا كدا بعد النعمة . وقال سعيد بن جبير : لما هبط آدم من الجنة وكلّف العمل ، فكان يمسح العرق عن جبينه ، فذلك قوله : فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ، وهو العرق الذي مسحه من الجبين . ثم قال عز وجل : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ، يعني : أن حالك ما دمت في الجنة لا تجوع فيها ولا تعرى من الثياب . وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ، يعني : لا تعطش في الجنة ، وَلا تَضْحى ؛ يعني : لا يصيبك الضحى ، وهو حر الشمس . قرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر : وَأَنَّكَ بالكسر على معنى الابتداء ، وقرأ الباقون وَأَنَّكَ بالنصب على معنى البناء . قوله عز وجل : فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ من أكل منها خلد ولم يمت وَمُلْكٍ لا يَبْلى ؟ يعني : هل أدلك على ملك لا يفنى ؟ فهو أكل الشجرة . فَأَكَلا مِنْها ، يعني : من الشجرة وقد ذكرنا تفسير الشجرة في سورة البقرة . فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما ، أي : ظهرت لهما عوراتهما ، وَطَفِقا ؛ يعني : عمدا يَخْصِفانِ يعني : يلزقان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ ، يعني : ترك أمر ربّه بأكله من الشجرة ، فَغَوى ؛ أخطأ ولم يصب بأكله ما أراد وما وعد له من الخلود . ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ ، يعني : اصطفاه ربه واختاره بالنبوة فَتابَ عَلَيْهِ ، يعني : تجاوز عنه وقبل توبته ، وَهَدى يعني : هداه اللّه تعالى للتوبة بكلمات تلقاها ، أي آدم عليه السلام . قوله عز وجل : قالَ اهْبِطا مِنْها جَمِيعاً ؛ يعني : من الجنة آدم وحواء وإبليس والحية فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يعني : يا ذرية آدم سيأتيكم مني الكتاب والرسل ، خاطبه به وعنى ذريته . فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ يعني : أطاع كتابي ورسلي فَلا يَضِلُّ باتباعه إياهما في الدنيا ، وَلا يَشْقى في الآخرة . وروى سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : « من قرأ القرآن واتّبع ما فيه ، هداه اللّه عز وجل من الضلالة ، ووقاه اللّه عز وجل يوم القيامة سوء الحساب ، فذلك قوله تعالى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى . [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 124 إلى 129 ] وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى ( 124 ) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً ( 125 ) قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى ( 126 ) وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ رَبِّهِ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى ( 127 ) أَ فَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى ( 128 ) وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى ( 129 )